
أصبحت القرصنة قبالة الشواطئ الصومالية وامتداداتها قضية مؤرقة، وأخذت أبعاداً خطيرة تهدد أمن وسيادة دول المنطقة وتجارتها ومصالحها مع دول العالم، فلايكاد يمر أسبوع إلا ونسمع عبر وكالات الأنباء ووسائل الاعلام أن سفينة كبيرة أو ناقلة نفط مهمة قد استولى عليها القراصنة الصوماليون، مما حدا بالأمم المتحدة وحلف الناتو والدول الكبرى إلى التدخل في القضية في إطار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وكأننا أمام أزمة تهدد الأمن والسلم الدوليين، وربما تفجر حرباً عالمية ثالثة في هذه المنطقة وهو مايطرح علينا كثيراً من الأسئلة.
يا ترى ما أسباب هذه الظاهرة؟ وماأهدافها؟ وهل تختلف الأهداف المعلنة عن الأهداف الحقيقية؟.
بداية قد أخالف بعض المحللين إن قلت: إنني أحسب أن تفسير ظاهرة القرصنة وطيد الصلة بمعرفة أهداف كثير من دول الغرب من الابقاء على هذه الظاهرة واطالة أمدها..! أما كيف؟ فلأن للغرب عموماً ولأمريكا وجهين، وجه حضاري وعلمي مشرق ـ لاننكره عليه ـ تنعم الانسانية اليوم بكثير من الخيرات بفضل اختراعاته وابتكاراته واكتشافاته العلمية المذهلة والمتواصلة في مجالات العلم المختلفة، وفي مجال تكنولوجيا المعلومات وتقنياتها المتقدمة المستخدمة في كثير من مناحي حياتنا اليومية من أصغر شأن فيها إلى أكبر وظيفة، وهو الوجه الذي يغري كثيراً منا بمحاكاة الغرب، والانبهار بمنجزاته الحضارية والثقافية والعلمية والحقوقية.. وغيرها.
وله كذلك، وجه آخر، استعماري بغيض وعنصري ومتعصب تنوء كواهل مجتمعاتنا البشرية عن حمل تبعات جرائمه وآثامه التي ارتكبها في حق بني الانسان طيلة العقود والسنوات الماضية، سواء بكيفية واضحة ومعلنة أم بطريقة غير مباشرة أم بالوكالة، كما هو الحال اليوم بظاهرة القرصنة التي هي صنعة غربية بامتياز، أو على الأقل يبدو أن لكثير من دول الغرب ضلعاً في بقائها واستفحالها وتزايد حدتها وهو الوجه الذي خلق للغرب أعداء كثيرين من أبناء المجتمعات البشرية، ممن وجدوه سبباً وراء جميع الكوارث والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية التي حدثت للبشرية طيلة القرن الماضي وبداية القرن الحالي.. وأحسبه سيبقى كذلك في ذهن كثيرين من أبناء مجتمعاتنا نتيجة تدخله المتكرر في شئون بلداننا ومجتمعاتنا، ما لم يبادر إلى تصحيح تلك الصورة وتعديل تلك السياسات.
وهذان الوجهان يقفان - كما قد يبدو للوهلة الأولى - أو هكذا ساد الاعتقاد لدى كثير منا - على طرفي نقيض، ويعملان في خطين متوازيين لايبدو أنهما سيلتقيان.. لكنهما في الواقع كثيراً ما يتفقان ويسيران جنباً إلى جنب ليكملا بعضهما بعضاً، وهذا أسوأ الاحتمالات التي يمكن أن تتعرض لها البشرية اليوم ويحدث هذا الاتفاق عندما يتواطأ بعض الباحثين والعلماء في مجالات العلوم المختلفة مع دوائر صنع القرار السياسي أو العسكري في المجتمعات الغربية، وحين يضعون أنفسهم في خدمة المصالح السياسية والعسكرية والأطماع الاستعمارية ويسعون لتبريرها، أو يخلقون لها أرضية نظرية ودوافع تجعلها مقبولة أخلاقياً، ومطلوبة وربما مُلحّة في الوقت نفسه.
ويبدو أن هذا التواطؤ يفرض نفسه على الطرفين في بعض الأحيان، مع اختلاف الأسباب أو الدوافع لدى كل طرف، فقد تكون الدوافع المادية هي التي تملي على رجال العلم والباحثين التعاون مع تلك الجهات من أجل كسب مزيد من الدعم المالي وزيادة ميزانيات البحث العلمي، من أجل تطوير نظرياتها وأبحاثهم وتحقيق مزيد من الاكتشافات العلمية وبراءات الاختراع، وقد تكون الأسباب علمية ـ وهي ليست بالضرورة أخلاقية ـ لرغبة هؤلاء في معرفة نتائج تطبيق أبحاثهم ودراساتهم على أرض الواقع بغض النظر عن نتائجها الكارثية، وهي لدى مؤسسات صنع القرار فرصة ذهبية لتسخير نتائج البحث العلمي في خدمة سياسات التوسع الاستعمارية وتطوير الأسلحة ذات القدرة التدميرية الهائلة، وزيادة فرص التفوق في مواجهة الدول والمجتمعات الأخرى، أو لتبرير سياسات التدخل في كثير من المناطق والمجتمعات البشرية، متذرعة بذرائع شتى ومستندة إلى خبرات ونظريات علمية وأبحاث صادرة عن مراكز علمية، تبرر الإنفاق على تلك السياسات وتشرعنها، أي أن كل طرف يجد في الآخر سنداً ومعيناً على تحقيق بعض الأهداف المعلنة وغير المعلنة.
وفي هذا الإطار، وفيما نعتقد أن له علاقة بالضغط المتواصل على دولنا ومجتمعاتنا يصنع الغرب - متعمداً أو غير متعمد - ظواهر عديدة في أماكن كثيرة، معتمداً على امكانياته العملية والمادية، أو متكئاً على قدراته البشرية الهائلة وأسلحته التدميرية ووسائل إعلامه.. وقد تعود الغرب على فكرة اتخاذ دولنا ومصالحنا حقلاً لتجاربه ولنظرياته في العلوم العسكرية والانسانية، وآخر ابتكارته ما يسمى بظاهرة «القرصنة» التي يعاني منها اليوم العالم بأسره، بعد أن مست أهم معبر مائي دولي يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب وهو البحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس، التي تعد معبراً رئيساً للتجارة الدولية الآتية من آسيا، وممراً لعبور ناقلات النفط إلى أوروبا وأمريكا، ليمنح نفسه وهذا الهدف الحقيقي وغيرالمعلن ـ الحق في التدخل في هذه المناطق بحجة محاربة تلك الظاهرة، والاقتراب من منابع النفط، وتطويق دول المنطقة العربية التي شبت عن الطوق، وفرصة أيضاً لحصار المنطقة والتحكم في خطوط ومعابر الملاحة الدولية.
والمسألة ليست جديدة كما قد يعتقد بعضنا، فمنذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي ظهرت كثير من النظريات الاستراتيجية مثل سياسة «التدخل السريع» التي تشكلت بموجبها قوات المارينز الأمريكية للتدخل في المنطقة العربية، وجرت محاولات عديدة لتطبيق تلك السياسة في الواقع وفي مجتمعنا العربي على وجه الخصوص، وتحديداً منذ اعلان الدول العربية النفطية عن رغبتها التحكم في مواردها النفطية واستخدامها في الصراع العربي - الصهيوني، ولم يتم لها ذلك بشكل حقيقي إلا بعد تورط العراق في غزوه لدولة الكويت في مطلع تسعينيات القرن المنصرم، وهو ما أوجد لها فرصة ذهبية للقدوم إلى منطقتنا والتدخل في شئونها بطريقة علنية، بعد أن تدخلت فيها بأساليب أخرى معروفة.
وظهرت في نفس تلك الفترة نظريات أخرى، ظاهرها علمي، وباطنها وحقيقتها ايجاد ذرائع لتبرير تدخلات الغرب، وأمريكا على وجه الخصوص، في شئون دولنا ومجتمعاتنا، منها : «نهاية التاريخ» و«صدام الحضارات» اللتان ظهرتا عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، واتفقتا على نقطة واحدة هي ضرورة البحث عن عدو بديل حتى يبرر الإنفاق الكبير على تطوير الأسلحة، وانطلاقاً من تلك النظريات صكت الولايات المتحدة مصطلح «التدخل الحميد» أو «إعادة الأمل» الذي اتخذت منه ذريعة رمت منه - ظاهرياً - إعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع الصومال، لكنها قصرته على الجانب العسكري، فانتهى بفشل ذريع، تجسد في عملية انسحاب القوات الأميركية من هناك تلبية لضغوط ونداءات الرأي العام للشعب الأميركي، الذي روعه مشهد تقاذف أرجل بعض الأطفال الصوماليين لرأس جندي أمريكي مقطوع.
وبعد خروج القوات الأمريكية بقليل تفكك الصومال، وانتقل من «الدولة» الهشة إلى «الكيان الاجتماعي العشوائي» الذي يضربه العنف والضعف والفقر المدقع.
وهذه الظروف خلقت مناخاً خصباً لظهور كثير من الظواهر السياسية والاجتماعية السلبية، منها ظاهرة القرصنة التي باتت اليوم تجتذب عشرات الشباب الصومالي من العاطلين وحتى العاملين في قطاع الأعمال الحرة والقطاعات الحكومية المختلفة، ويسيل لها لعابهم، نظراً لما تدره من دخل كبير بعد نجاح عمليات التبادل وتسلم نقود الفدية للإفراج عن السفن المخطوفة، وكذلك خلقت فرصاً لكثير من دول العالم الطامعة في المنطقة للقدوم إلى المنطقة بذريعة محاربة القرصنة، وحماية سفنها التجارية.
ولعل من غريب الصدف أن يتزامن تزايد أعداد الدول والأساطيل البحرية مع ارتفاع عدد السفن المخطوفة كل يوم، وكأن هناك من يرغب في بقاء هذه الظاهرة لإطالة مدة بقائه في المنطقة، ولتبرير زيادة عدد السفن والأساطيل العسكرية في البحر الأحمر، وهو ما دفع بلادنا إلى إعادة التحذير من خطورة استفحال هذه الظاهرة، ومساوىء استغلالها بهدف تدويل البحر الأحمر.
لقد كانت بلادنا من أوائل الدول العربية التي نبهت إلى خطورة الأوضاع في البحر الأحمر ودعت في منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى عقد مؤتمر للدول العربية المطلة على جانبيه بهدف تنسيق السياسات الأمنية والإستراتيجية، والمصالح العربية، وأيضاً بهدف تعريب أمن البحر الأحمر وجعله بحراً عربياً، نظراً لأن معظم الدول المطلة عليه دول عربية، ولكن نتيجة لتصادمه مع مصالح الدول الكبرى وإسرائيل خلال مرحلة الحرب الباردة تم إجهاض المشروع اليمني.
وبعد إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، وظهور حالة الفوضى والصراعات في دول القرن الإفريقي حاولت بلادنا القيام بجهود جادة لاحتواء تلك الصراعات والتقريب بين الفرقاء لشعورها بأن ما يحدث في دول القرن الإفريقي يؤثر مباشرة على اليمن سياسياً واقتصادياً وأمنياً وإستراتيجياً، حيث إن أكثر من مليون لاجىء صومالي وإثيوبي قد وصلوا إلى اليمن بطرق غير شرعية عبر البحر الأحمر وخليج عدن، وهو ما شكل عبئاً اقتصادياً مضافاً على الاقتصاد اليمني، وأيضاً شكل تهديداً أمنياً وسياسياً واجتماعياً لها مما دفعها إلى المساهمة في توفير الأجواء لعديد من المصالحات بين الفرقاء الصوماليين بشكل منفرد أو في إطار الجامعة العربية.
ودولياً حاولت بلادنا تنبيه المجتمع الدولي والعربي ومنذ وقت مبكر بخطورة استمرار انهيار الدولة الصومالية وما يترتب عليها من نتائج مأساوية على استقرار شعبها وعلى استقرار دول القرن الأفريقي.
ومع توسع وانتشار ظاهرة القرصنة الصومالية أواخر عام 2007حاولت توفير غطاء عربي لمعالجة المشكلة قبل تفاقهما كما حدث في عام 2008، وهو ما دعا فخامة الأخ الرئيس علي عبدالله صالح إلى التحرك عربياً، والقيام بزيارات ومشاورات مع المملكة العربية السعودية ومصر والأردن ومؤخراً جيبوتي لمحاولة التوصل إلى حل عربي قبل تدويل الأزمة، والسقوط في دوامة التدخلات الخارجية، وأسفرت التحركات عن عقد لقاء القاهرة نوفمبر 2008 للمعنيين في الدول المطلة على البحر الأحمر للتباحث حول أفضل السبل لمعالجة ظاهرة القرصنة، وأهمية إعادة الأمن والاستقرار للبيت الصومالي، حتى تقطع السبيل على الطامعين التواجد في المنطقة العربية.
ويبدو أن جهود بلادنا لم تفلح في إقناع دول البحر الأحمر بخطورة تدخل القوى الدولية، لأن الأهداف الحقيقية لكثير من الدول والقوى الدولية المتواجدة في المنطقة - كما أسلفنا القول - لم تتحدد في مهمة القضاء على القرصنة، وحماية السفن التجارية وناقلات النفط من تلك الهجمات كما يريدون لنا أن نفهم، ولم تكن تسعى إلى حماية الممرات البحرية أو جعل البحر الأحمر بحيرة آمنة، ونزعم أنه لم يكن لها هدف في أي يوم من الأيام. ولكن يبدو أن لكل دولة أهدافاً غير معلنة من تدخلها في هذه المنطقة، منها ماهو عسكري استراتيجي، نظراً لأهمية البحر الأحمر للملاحة والتجارة الدولية، ولعلاقته بسباق النفوذ بين تلك الأطراف، ومنها ماهو اقتصادي بسبب غنى هذه المنطقة بكثير من الثروات البحرية والسمكية والموارد الطبيعية، ومنها ما له علاقة بتصفية الحسابات بين تلك الأطراف وبعض دول المنطقة.. إلخ.
وأعتقد أن مهمتنا أن نحدد الأهداف الحقيقية لكل طرف من تلك الأطراف، وأسلوب التعامل مع كل واحد منها على حدة.