|
|
|
|
|
من جامعة بكين إلى جامعة صنعاء..!!
بقلم/ د.عادل الشجاع
نشر منذ: سنة و 5 أشهر و يوم واحد السبت 04 سبتمبر-أيلول 2010 05:13 ص
أختي العزيزة جامعة صنعاء؛ أبعث إليك هذه الرسالة وقلبي يتفطر دماً مما يجري داخلك..لقد ساءني ما جرى في الأسبوع الماضي حينما التقى أبناؤك الأساتذة والإداريون في معهد الميثاق، وهو يعد مركزاً بحثياً كان يمكن أن يخدم البلاد لو تم استغلاله بشكل جيد.
ما أحزنني هو أن المئات من حملة الدكتوراه قد التقوا في أمسية رمضانية ليناقشوا موضوع الحوار والأزمة الدائرة داخل البلد؛ لكنهم كانوا جميعاً يفترشون الأرض ويعتلفون ما تسمونه أنتم «القات»!!.
وبحسب علمي أن الشعب اليمني جميعه - رجاله ونساءه وأطفاله وشيوخه - يتعاطون هذه الشجرة؛ وهو وضع يشبه وضع الصين حين كان الناس جميعاً يتعاطون “الحشيش” وكنت حينها أعاني حين كان التعليم يتم عن طريق الحقن عوضاً عن استخدام الخيال، والامتحانات تتم بمعاملة المتقدمين لها كأنهم أعداء، فتنصب الكمائن لهم؛ لكنني وفقت بأساتذة عرفوا قدر المسئولية الملقاة على عاتقهم؛ فجعلوا الصين دولة تعليمية رائدة بشهادة رئيس إحدى الجامعات الأمريكية، وبفضل هؤلاء أصبحت الصين قوة اقتصادية هائلة.
أختي العزيزة جامعة صنعاء.. لقد اخترتك أنت بالتحديد لأوجّه إليك هذه الرسالة؛ لأن هناك تشابهاً كبيراً بين بيئتي والبيئة التي تعيشين فيها، فاليمن يمتلك حضارة تكاد تقترب من حضارة الصين، وتمتلك شعباً عبقرياً وصبوراً، ويحب العمل كالشعب الصيني، ويعتلف شجرة القات كما كان الشعب الصيني يتعاطى شجرة «الخشخاش»!!.
ولعلك قد سمعت عن “أزمة القمح” بسبب الحرائق التي اجتاحت روسيا والتي أثّرت على أسعار القمح عالمياً، والزراعة كما تعلمين تعد الركيزة الأساسية للتكوين الاقتصادي؛ فكيف تسمحين بتحويل اليمن إلى مزرعة كبيرة للقات على حساب المحاصيل الزراعية الأخرى؟!.
لقد ساءني كثيراً مشهد الأساتذة وهم يتحدثون عن الحوار ووجناتهم منتفخة؛ وذرات القات تتطاير من أفواههم في وجوه بعضهم البعض في منظر ينم عن أنهم مازالوا يعيشون نموذج المجتمع التقليدي، ولم يستوعبوا بعد حركة الانتقال في اتجاه هدف التحديث والتطوير والتقدم!!.
إن مشاكلكم مرتبطة بشكل أساسي بهذه الشجرة الخبيثة التي تعد سبباً من أسباب الجهل، ومصدراً من مصادر الفقر، ويبدو أن انتصار هذه الشجرة هو الثمن المقابل للعنف والفساد والانحطاط الأخلاقي، ومع سيطرة هذه الشجرة يبدو الإنسان أكثر عبودية للآخرين أو للسلوك الذاتي.
إن المجابهة بين هذه الشجرة وبين الفقر والفساد هي حقائق موجودة ومن السهل رؤيتها؛ ولا يمكن تجاهلها ولا داعي لمجادلتها.
إنك إذا لم تأخذي على يد الأساتذة الذين يتعاطون هذه الشجرة؛ فإنك ستدفعين الثمن غالياً ومؤلماً، فليس من المعقول أن يكون هؤلاء وفي القرن الحادي والعشرين وهم لا يملكون تأميناً صحياً لهم ولأسرهم!.
إن أبناءك - برغم من حملهم للشهادات العليا - إلا أنهم لم يخرجوا بعد من داخل الثقافة التقليدية، ولم تندثر من أذهانهم، ولا يعني أن امتلاكهم شهادات الدكتوراه أو انتقالهم من السراج إلى المصباح الكهربائي أنهم أصبحوا حداثيين.
لم يستطيعوا التخلص من الأفكار التقليدية التي يحملها الدهماء من الناس؛ مما جعلهم يشعرون بالحيرة؛ أو بمعنى أصح لا يعرفون أي طريق يسلكون؛ ويفتقرون إلى إرادة التغيير؛ مما جعلهم ذلك سبباً في الفوضى التي تسود نظام الحياة، وفقدوا توازن الوظيفة الثقافية.
ولا أبالغ إذا قلت لك إن استمرار أعضائك في تعاطي هذه الشجرة فإنك لن تستطيعي أن تنتجي قوة أكاديمية تسمح لك بالمنافسة على قدم المساواة مع مؤسسات الأبحاث الأخرى.
من الملاحظ أن أعضاء هيئة التدريس يتزايد انشغالهم بعالمهم الخاص؛ فيتنافسون مثل المصارعين المجالدين على المناصب أولاً، ثم على سبل الراحة التي يوفرها المنصب الإداري.
إن تعاطي القات جعل الكثيرين من أعضاء هيئة التدريس لا يقرأون ولا يتابعون الجديد مما يجعل مخرجاتهم من الطلاب عبارة عن جيوش من الأميين، إنك أيتها الأخت العزيزة مسئولة عن صناعة أجيال للوطن وليس أعداء يحاربونه بالجهل والسطحية وضعف الرؤية.
وبلادك تعيش في تخبط زراعي وإنتاج مشوّه في بلد يفترض أنه زراعي بالوراثة، فما الذي حدث وتحولت الزراعة إلى زراعة القات، وأصبحت الأرض مستباحة؟!.
إن الإنسان كما تعلمين هو نتاج الثقافة الاجتماعية، والجامعة هي التي تحدد دور الإنسان على مسرح الحياة، وبما أن القات هو الذي يشكل ثقافة أعضاء هيئة التدريس ويجعلهم أسيري ثقافة تكييف الحاجات وفقاً للأوضاع الاجتماعية مما يجعلهم يتعرضون لعدم التوازن، ولا يستطيعون تقبل التحولات الجارية ويخافون من خوض مغامرة الإصلاح.
وكما تعلمين فإن السمكة تفسد من رأسها، وهو مثل صيني مأثور، لذا من الطبيعي أن يتوقف العالم فاغراً فاه من فرط الدهشة الممزوجة بالألم والحسرة معاً أمام ما يجري في العالم من خوف وترقب نتيجة الأزمة الاقتصادية والغذائية؛ واليمنيون يعيشون تحت خدر القات وكأن الأمر لا يعنيهم، أو أن العالم مسئول عن العمل من أجل توفير الغذاء لهذا الشعب الذي توقف عن العمل!!.
فإلى متى سيظل هذا الشعب وعلى رأسه مفكروه ومثقفوه يعشقون غيبوبة القات، وربما يغير التاريخ وجهة نظره في اليمنيين ويجلس ليتأمل بأن أصل الحكمة وسر استمرار الحياة هي الغيبوبة، وحينها ستحذو الأمم كافة حذوهم فيما بعد، وهكذا تكون حقبة زراعة القات في الحضارة الإنسانية قد بدأت بالفعل؟!.
ثم سيكتب التاريخ بدهشة غير مسبوقة أن أساتذة جامعة صنعاء أرادوا أن يناقشوا قضية الحوار في غياب نصفهم الآخر المرأة؛ لأنها لا تستطيع أن تحضر جلسات القات، فأفرغوا كل إحباطاتهم، ثم خرجوا وضمائرهم مثقوبة، وأصبح المجتمع هو المسئول عن إصلاح هذه الشريحة لينقلب الهرم على رأسه.
مع خالص تحياتي
أختك: جامعة بكين «الصين» |
|
|
|
|
|
|
 |