بين الحين والآخر نسمع عن التقشف والتقليل من المنح العلاجية, وفي أحيان أخرى إلى رفع الدعم عن السلع وخاصة المشتقات النفطية; لأننا اكتشفنا مؤخراً أنها سبب للفساد!!.
في تقرير مجلس النواب الأخير يقول إن حجم الإعفاءات الجمركية وصلت إلى مليارات الريالات, وهو ما يمثل نصف التضخم الذي تعاني منه خزينة الدولة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: أين ذهبت هذه الأموال, ومن المستفيد منها؟!.
إن الفساد يشكّل العقبة الرئيسة لتحقيق التنمية, إنه ينتهك مبدأ المساواة في المعاملة, كما أنه نتيجة مباشرة لانعدام المساءلة، لقد انتشر بشكل غير مسبوق, وأصبحت تكاليفه باهظة, ودوره واضحاً في إعاقة النمو الاقتصادي, وتخريب التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
بوضوح شديد أقول: إن الفساد قد خرج عن نطاق السيطرة, الأمر الذي يجعل الحكومة تضع خطة لمواجهته بالاستعانة بكل الأطراف بما في ذلك المجتمع المدني.
إن محاربة الفساد ينبغي أن تأخذ في عين الاعتبار التداخل الكبير بين العوامل الاقتصادية والاجتماعية; لذلك لابد من التوقف أمام الإصلاح الاجتماعي, وليس فقط أمام الإصلاحات الاقتصادية, لأن المناخ العام داخل المجتمع هو الذي يحدد درجة تقبّله للفساد أو مواجهته.
إننا نمتلك ثروة ضخمة حان الوقت لإعادة توظيفها, وتوجيه حصيلتها للاحتياجات الاجتماعية للفقراء والفئات الأولى بالرعاية والطبقة الوسطى.
إن مهمة الحكومة أن توسع من قاعدة التعليم والتأمين الصحي والكهرباء ومشروعات الصرف الصحي, لأنها مسئولة عن حماية المواطنين من أية ممارسات ضارة, مسئولية الحكومة تكمن في تحرير المواطن من الاستغلال والاغتراب لكي يتمكن من التعرف على طاقاته الكامنة التي لا تعوقها الحاجة أو الخوف.
لابد من المزاوجة بين السياسي والاجتماعي في سبيل إيجاد مشروع وطني نهضوي وتنموي, لماذا التركيز على ما هو اجتماعي, لأن ذلك سيحرر الناس من حالة التدين الزائف الشائع في المجتمع اليمني الذي تحمله أجنحة اليأس من التغيير, حيث أصبح اغتراب المجتمع موافقاً مع الاستغلال المادي والروحي.
لقد أصبح المجتمع محاصراً ومنتهكاً من قبل طرفين أحدهما يمارس البيروقراطية والعمولات والرشاوى والسرقة والاختلاس والتلاعب وبيع التوصيات والوظائف والترقيات والتزوير في جمع الضرائب, والآخر بالتدين الزائف والقمع الروحي الشامل, وتعزيز فكرة الرضا بالفقر, وإفساح المجال أمام قلة من الناس لمراكمة الثروة.
إن الاسترخاء في مواجهة الفساد يعد خروجاً عن الدولة وقوانينها وقواعدها, وهو أيضاً استهتار بمدى قدرة الأجهزة الحكومية على إعادة الأمور إلى نصابها الحقيقي.
ولعل شهر رمضان كان اختباراً حقيقياً للحكومة, حيث ظل المسئولون قابعين في مكاتبهم بينما الغلاء يكتسح الملايين من الناس, والسوق تعيش حالة انفلات غريبة, أتاحت الفرصة كاملة للمحتكرين والمستغلين للتلاعب كما يريدون, فقد ارتفعت بعض السلع أكثر من 120 %!!.
إن الدول الرأسمالية لا تترك أسواقها هكذا دون آلية للتحكم فيها بما يحقق مصلحة المواطن, فهذه الدول لا تسمح برفع السلعة أو بيعها بأزيد من تكلفتها الحدية والمتغيرة, فهي تضع نسبة أرباح تتوافق مع تكلفة التصنيع أو الاستيراد.
والسؤال الذي يواجهنا: ما هو دور وزارة الصناعة والتجارة, ولماذا أنشئت أصلاً؟!.
ومن مظاهر الفساد أن الصيام عن الطعام والشراب يؤدي إلى ما يمكن تسميته (صيام عن العمل) لدرجة أن الغالبية من الجهاز الإداري يعتبر رمضان بمثابة إجازة سنوية, وقد أسهمت الحكومة في ذلك حين غيرت موعد الدوام إلى الساعة العاشرة، وهناك ظواهر لا تخطئها العين مثل تسرب الموظفين قبل نهاية الدوام, وضعف انتاجية هؤلاء الموظفين في هذا الشهر.
نحن البلد الوحيد في العالم الذي يقضي أبناؤه نهار رمضان في نوم عميق, والسهر ليلاً, لتتوقف عجلة الحياة في نهار رمضان تماماً ويحل الكسل والاسترخاء.
من واجب الجهات المختصة أن تعمل على تحقيق المؤشرات النوعية لتحسين حياة المواطن اليمني في مجال التعليم والصحة والثقافة والكرامة الإنسانية والمشاركة.
لحظة وفاء لهذا الرجل
الشيخ محمد عبدالعزيز الكامل, من المشائخ الذين قارعوا الجبهة الديمقراطية وضحّى هو وأسرته بكل ما يملكون.
إن بطولة هذه الأسرة يعرفها الصغير والكبير خاصة أنهم يقيمون في منطقة الحرية (شرعب) وهي المنطقة التي كان يتواجد فيها قادة الجبهة لما تتمتع به من وعورة جغرافية كان يصعب الوصول إليها, ولتوسطها أيضاً بين العديد من المحافظات كالحديدة وتعز وإب وذمار, حيث كانت تمثل منطقة استراتيجية مهمة للجبهة, لكن الشيخ محمد وأسرته لم يتركوا قيادات الجبهة تنعم بالأمن في هذه المنطقة, صحيح أنهم خسروا كل ما يملكون لكنهم كسبوا رضا الدولة وأسسوا للاستقرار فيما بعد.
الأخ رئيس الجمهورية يعرف الشيخ محمد وكل القيادات تعرفه, لكنه من المشائخ الذين زهدوا عن الحياة.
الشيخ محمد اليوم يعاني من تليف في الكبد ويحتاج إلى زرع كبد, ومن حقه على الدولة أن تمد يد العون له وكذلك فخامة رئيس الجمهورية, فالشيخ محمد من الذين يحسبهم الناس أغنياء من التعفف!!.