د. تركي الحمد
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed كتابات الجمهورية
RSS Feed د. تركي الحمد
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
د. تركي الحمد
هل بدأت مجتمعاتنا في التفكك؟
العلمانية .. ليست شراً كلها
العلمانية .. ليست شراً كلها
ويبقى العظيم رجلاً
ما هي الدولة الإسلامية
ما هي الدولة الإسلامية
في مسألة الإسلامية
حدود التحريم وأركان التجريم
الدولة والفضيلة: دولة الأخلاق أم أخلاق الدولة
النظرة المبتسرة للثقافة
نحن والغرب
من تحريم الفلسفة، إلى فلسفة التحريم

بحث

  
الدولٹ والفضيلٹ: لاضرر ولاضرار
بقلم/
د. تركي الحمد
نشر منذ: 5 سنوات و شهر و 16 يوماً
الجمعة 06 مارس - آذار 2009 10:40 ص
عند الحديث عن الدولة والفضيلة، هنالك ثلاثة عناصر يجب أن توضع في الحسبان من أجل فهم القضية فهماً سليماً دون إفراط أو تفريط. هذه العناصر هي: السلطة السياسية، والسلطة , الاجتماعية, والفرد، منظوراً إلى الجميع بشكل كلي، أي في العلاقة المتبادلة بين هذه العناصر الثلاثة. فالسلطة السياسية مهمتها الرئيسة تنظيم المجتمع وفق أسس مؤسسية وقانونية، والسلطة الاجتماعية غير المحسوسة مهمتها ضبط سلوكيات المجتمع وفقاً«لضمير الجماعة» السائدة في لحظة زمنية معينة، ومهمة الفرد أخيراً الموازنة بين رغباته واتجاهاته الذاتية، التي قد لاتتوافق بالضرورة مع المعايير الاجتماعية السائدة، وبين هذه المعايير، بحيث لايتحدى هذه المعايير المعبرة عن «روح المجتمع» في لحظة من اللحظات بشكل مباشر ومثير لوحدات المجتمع المختلفة. هذا لا يعني أن يتخلى هذا الفرد عن مرئياته جملة وتفصيلاً، فهذا إلى الاستحالة أقرب، طالما الناس مجبولون على التعددية، ولكنه يعني المواءمة بحيث يمكن الاختلاف ولكن دون الفراق والانشقاق. إذا التزم كل طرف من هذه الأطراف بمهمته الرئيسة، كان ذلك هو درب الاستقرار الاجتماعي ومن ثم السياسي، والتطور الخلاق غير المدمر سواء للفرد أو الدولة أو المجتمع.
غير أن مثل ذلك الوضع شيء مثالي أفلاطوني، قد يصلح لوصف دولة فاضلة أو جمهورية ملوك فلاسفة مثالية وفق مرئيات الفارابي أو أفلاطون، ولكنه ليس بالضرورة متفق مع العالم المعاش، الذي قد تكون المثاليات والمعايير النموذجية وصفات سامية لعلاجه، ولكنها ليست الأسس التي يتحرك وفقاً لها فعلاً وعملاً. فماذا لو التزمت السلطة السياسية بمهمتها الرئيسة، أي تنظيم المجتمع مؤسسياً وقانونياً، ولكن سلطة المجتمع الأخلاقية كانت متهافتة بحيث تفتقد أقل درجات الانسجام التي تجعل من المجتمع مجتمعاً، وليس مجرد أفراد أو وحدات لا رابط بينها إلا مجرد المصلحة المباشرة المشتركة، دون ذلك الرابط غير المادي الذي يشكل روح المجتمع ويجعل منه مجتمعاً؟ وماذا لو كان المجتمع عظيم السلطة الأخلاقية، ولكن السلطة السياسية لاتقوم بدورها المطلوب في التنظيم المؤسسي والقانوني؟ وماذا لو كانت السلطتان السياسية والاجتماعية كلتاهما لاتقومان بدورهما المطلوب، وتحول الكيان كله بالتالي إلى مجرد مجموعة من الوحدات التي لا يسودها إلا ذاتها ولاسيادة تعلو الجميع.
الحالة الأخيرة، أي تهافت السلطتين السياسية والاجتماعية، وخاصة السلطة السياسية التي بدونها لا قيام لمجتمع منظم من الأساس، هي الفوضى بعينها، أو «حالة الطبيعة»، التي تحدث عنها توماس هوبز حيث الكل عدو الكل، والجميع في حال حرب مع الجميع. وعلى ذلك فإن مثل هذه الفرضية يجب أن تطرح جانباً إذ لامعنى لأي شيء وكل شيء في ظلها، ويبقى لدينا فرضيتان فقط: ضعف السلطة السياسية مع قوة السلطة الاجتماعية، وضعف السلطة الاجتماعية مع قوة السلطة السياسية.
عندما تكون السلطة السياسية ضعيفة، والسلطة الاجتماعية قوية، فإن انهيار السلطة السياسية خاتمة طبيعية لمثل ذلك الوضع. فالسلطة هنا غير قادرة على «احتواء» عوامل الحركة في المجتمع الذي لابد أن«يفرز» سلطة سياسية قادرة على التواؤم مع آليات الحركة فيه. بمعنى آخر، فإن المجتمع في هذه الحالة«يترجم»سلطته الذاتية إلى سلطة سياسية مباشرة وواضحة، وهذا هو الوضع الثوري الذي تحدث عنه ماركس وآخرون. فالسلطة السياسية في هذه الحالة لاتعبر عن المجتمع ولاتقدر على استكناه نبضه، إذ إنها تنتمي إلى لحظة اجتماعية غابرة تجاوزتها اللحظة الراهنة، حتى دون أن تدرك هذه السلطة ذلك. وفي مجال الأخلاق والفضيلة وهي مدار الحديث هنا، تحاول السلطة السياسية الضعيفة، عندما تدرك ضعفها في مقابل المجتمع، فرض مفاهيم أخلاقية مثالية على ذلك المجتمع، تعويضاً عن عدم قدرتها على إدارته بما يكفل استقراره. مفاهيم أخلاقية مثالية مبالغ فيها يكون المحسوبون على السلطة السياسية المتهافتة هم أول من يتجاوزها. ونظرة عجلى إلى الأوضاع السياسية والاجتماعية الفرنسية والروسية قبل الثورة في تلك البلاد كفيلة بالتحقق من هذه النقطة.
عندما يفرز المجتمع القوي سلطة سياسية جديدة معبرة عنه، فإن هذه السلطة غالباً ماتكون ذات وجه استبدادي، إن لم نقل شموليا. وعندما نقول «المجتمع»، فنحن لانتحدث عن «كل» واحد، بالرغم من وجود تلك «الروح» المتحدث عنها والتي تمنح المجتمع ذلك الانسجام الضروري، رغم الاختلاف، الذي يفرق المجتمع عن مجرد الجماعة العابرة أو حتى القطيع. فالسلطة السياسية الجديدة سوف تحاول، في ظل زخم أيديولوجي وثوري معين، أن تفرض مفاهيم «مثالية» معينة في كل الجوانب، بما فيها الجوانب الأخلاقية، وذلك كردة فعل على الضعف المطلق أو النسبي، والنفاق الأخلاقي الذي كان عنوان«العهد البائد». فالمفاهيم الأخلاقية المتزمتة لليعاقبة في فرنسا، والبلاشفة في روسيا، وحراس الثورة في إيران، إنما هي مجرد شواهد. فالنخبة الأيديولوجية الثورية التي تعبر عن المجتمع، أو التي جعلتها عوامل القوة معبرة عنه، تحاول أن «تحتوي» المجتمع عن طريق الصرامة الأخلاقية، وفق الأيديولوجيا المتبناة أوالسائدة بطبيعة الحال. مثل هذا الوضع سوف يكون مرحباً به «أيام الحماس»، ولكنه سوف يتحول إلى عبء اجتماعي لاحقاً، عندما تصبح النتيجة هي إضعاف المجتمع في مقابل سلطة كلية، وذلك يقود إلى الفرضية الثانية.
كان نيقولاي ميكافيلي يرى أن السلطة المطلقة، أو الملكية وفق مفاهيمه، ضرورة في حالة فقدان المجتمع لحس الفضيلة، وأن السلطة المقننة، أو الجمهورية وفق مفاهيمه، ضرورة في حالة سيادة الفضيلة في المجتمع. بطبيعة الحال فإن استخدام ميكافيلي للمفاهيم يختلف عن استخدامنا الدارج لها، فأكثر جمهورياتنا في العالم هي ممالك وفق مفاهيم ميكافيلي، والكثير من ممالكنا جمهوريات إلى حد كبير وفق ذات الفهم. والفضيلة التي يتحدث عنها ميكافيلي هي مايمكن أن نسميه «الطموح» أو السعي نحو المجد لدى الأفراد بصفة خاصة، وهو الذي يقرر حيوية المجتمع من تفسخه، حيث يعني التفسخ هنا انعدام روح السمو وانغماس الأفراد في الأطماع الفردية الضيقة والمباشرة.
مايريد ميكافيلي قوله بإيجاز هو أن كلا النوعين من السلطة السياسية، المطلقة والمقننة، ضرويان وذلك بناءً على حالة المجتمع الأخلاقية، والتي أوجزها بمفهوم الفضيلة القائم على نوعية طموح الفرد. عندما يكون المجتمع «متفسخاً» أو متهافتاً، أي أضعف من السلطة السياسية بشكل أو آخر، فإن هذه السلطة مطالبة بالرفع من شأنه، ولكن أسلوب السلطة أو الدولة في ذلك هو مايحدد نجاحها من عدمه، وبالتالي قدرتها على الاستمرار المرتبط بالقدرة على حفظ الاستقرار على المدى الطويل. وفي هذا المجال، ومن الناحية العملية، بعيداً عن المثاليات الأفلاطونية والفارابية، هنالك أسلوبان يمكن استخلاصهما من التجارب الحديثة : أسلوب القسر المباشر والمكشوف، كما في التجارب النازية والفاشية والبلشفية والإسلاموية «الإسلام الحزبي أو المؤدلج»، وأسلوب التنشئة الطويلة النفس، كما في التجارب الغربية الحديثة، أو الأسلوب الأيديولوجي الشمولي المباشر والمنغلق، والأسلوب التنشيئي المنفتح.
أسلوب القسر المشكوف قد يكون ناجعاً وضرورياً في المدى القصير، خاصة وأنه يمارس عادة في حالة إعادة بناء المجتمع من قبل سلطة قوية، ولكنه غير ملائم في المدى الطويل حين تنتهي الظروف التي جعلت من هذا القسر أمراً ضرورياً. وفي حالة استمراره، رغم زوال مبرراته بعد هدوء المجتمع، فإنه قد يؤدي إلى اضمحلال في الضمير الجمعي الذي كانت الدولة تحاول بناءه. فالناس مجبولون على النفور من التوجيه المباشر، وإن كانوا منصاعين دائماً للسلطة القوية. القوة الحقيقية للدولة هي في القدرة على التوجيه غير المنفر بحيث لايشعر الأفراد أنهم موجهون أو مأمورون وهم كذلك في حقيقة الأمر. والدولة عندما تعتمد على القسر المكشوف المستمر في كل الشؤون، وعلى رأسها الشأن الأخلاقي، فإنها في الحقيقة تخل بتلك العلاقة المتبادلة بينها وبين المجتمع، وتصبح شرعيتها السياسية قائمة على القوة المجردة وليس على قاعدة اجتماعية صلبة، التي هي أساس كل استقرار.
فالدولة البلشفية أو النازية، أو أي تجربة أيديولوجية شمولية مشابهة، مارست القسر واستمرت فيه رغم زوال مبرراته، انطلاقاً من مفهوم مغلق للفضيلة وغيرها، وكان الانطباع أن قوة الدولة المجردة كفيلة بحل كل إشكال. ولكن ما إن أصبح هناك «ثقوب في الثوب»، كما في بريستورويكا وغلاسنوست غورباتشوف في روسيا وكل الشرق الأوروبي، حتى انهار كل شيء، رغم كل تلك السنوات من التعبئة الأيديولوجية القسرية المستمرة. ولماذا نذهب بعيداً، فمثانية عشر عاماً من التبشير الأخلاقي القومي، والتعبئة الأيديولوجية المباشرة وفتح بعض الثقوب في ثوب كان يبدو أنه غير قابل للخرق، وبقيت الناصرية مجرد أيديولوجيا يؤمن بها بعض الجماعات والأفراد، ولكنها لم تتحول إلى أسلوب حياة كماهو مخطط لها، وعلى ذلك قس.
أما الأسلوب التنشيئي المنفتح، فهو قد يعتمد على القسر الصريح أول الأمر، في مرحلة بناء المجتمع وبلورة ضمير جمعي مشترك، إلا أنه يتوقف في اللحظة التي يهدأ فيها المجتمع وتزول المبررات المباشرة للقسر، ويلجأ إلى ترسيخ الضمير الجمعي بوسائل غير محسوسة وليست قسرية مكشوفة، وإن كان القسر يكمن ولايظهر في ذلك، فالقسر هو من طبيعة تركيب أي دولة وكل دولة، بغض النظر عن نظامها السياسي، ولكنه يتخذ أشكالاً مختلفة، وهذا هو الفرق بين الدول. والضمير الجمعي المشترك ضرورة اجتماعية وسياسية يجب خلقه إن كان ضعيفاً أو غير موجود في أسوأ الحالات. في مثل هذا الأسلوب، أي أسلوب التنشئة المنفتح، يلعب التعليم والإعلام الذكي والمؤسسات السياسية والاجتماعية، الدور الذي تلعبه التعبئة الأيديولوجية أو العقائدية المباشرة والبروباغندا والأجهزة في الأسلوب الآخر، ولكن شتان بين النتائج. فالولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا مثلاً هي نتاج حركات سياسية واجتماعية وأيديولوجية معينة، وكان القسر المباشر ضرورياً في البداية لبناء الدولة والمجتمع، ولكنه وقف عند لحظة زمنية معينة، وبدأت ترجمة غايات الدولة في مؤسسات سياسية واجتماعية، وفي نظام تربية وتعليم مدروس بإحكام، بحيث يزرع الغايات والأهداف المرجوة، بعيداً عن التبشير الأيديولوجي المباشر، بالإضافة إلى مؤسسات التنشئة الأخرى والمتعددة. لذلك تجد مثلاً أن الليبرالية بنظامها الأخلاقي، أصبحت جزءاً من «الثقافة القومية» الأميركية أو الإنجليزية، بحيث أصبح الفرد هناك يتصور أن مثل هذه الثقافة هي أسلوب الحياة الوحيد، وبحيث أصبح النظام السياسي القائم على مثل هذه الثقافة «منفتحاً» و «متسامحاً» مع كل التيارات السياسية والأيديولوجية، حتى تلك التي تعاديه، لأنه واثق من استحالة نجاحها في ظل الثقافة السياسية السائدة والمرسخة في كل مجال من مجالات الحياة السياسية والاجتماعية.
 خلاصة القول لموضوع لانريد له أن يطول ويمل، هي أن للدولة، من الناحية المثالية، دوراً تنظيمياً لايجب أن تتجاوزه، كما للمجتمع والفرد.
ولكن من الناحية العملية، حيث المثال صعب المنال وإن كان حافزاً للبحث عن الأفضل، فإن مؤسسة الدولة مسؤولة عن حال المجتمع. بمافي ذلك الأخلاق الاجتماعية. ولكن دور الدولة هذا ليس مطلقاً في كل الأحوال، وليس ذا أسلوب واحد، فهو يعتمد على الحالة التي يكون عليها المجتمع في هذه اللحظة أو تلك من الزمان. مهمة السلطة السياسية أن تعرف الفعل المناسب في الوقت المناسب بالأسلوب المناسب، لأن على ذلك يعتمد توازن العلاقة بين الدولة والمجتمع الذي هو أساس كل استقرار، والذي هو بدوره مؤشر نجاح النظام السياسي من عدمه.

عودة إلى كتابات الجمهورية
الأكثر قراءة منذ أسبوع
عبدالواحد أحمد صالح
داء المستشفيات..!!
عبدالواحد أحمد صالح
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
أحمد ناصر الشريف
حواة زمن النفير
أحمد ناصر الشريف
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
عمر البناء
هو اللواء الترب فلا تستغرب !!
عمر البناء
كتابات الجمهورية
حنان محمد فارع
زواج الصغيرات.. خطر يهدد حياتهن..!!
حنان محمد فارع
بدر بن عقيل
ماقل ودل.... ولاَّدة
بدر بن عقيل
منصور عبد الواحد زاهر
هيمنة أمريكية وذل عربي
منصور عبد الواحد زاهر
نبيل داؤود الصغير
داء الأمية
نبيل داؤود الصغير
عبدالله الصعفاني
مكائد الأغراب..!
عبدالله الصعفاني
د.عمر عبد العزيز
هيغل والكلام
د.عمر عبد العزيز
الـمـزيـد
[ الرئيسية | دخول البريد الإلكتروني | دليل خدمات مؤسسة الجمهورية للصحافة ]
لأي إستفسار أو تعليق لهذا الموقع أرسل بريد إلىinfo@algomhoriah.net
جميع الحقوق محفوظة © 2008-2014 الجمهورية نت
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية
انشاء الصفحة: 0.591 ثانية